دكرى ثورة وادي زم 20 غشت 1955 اليوم،متى يعترف بها الاعلام الرسمي!؟
كتبهاصلاح الدين قنطار ، في 20 أغسطس 2009 الساعة: 08:47 ص
متى ترى مدينة وادي زم بناء متحف للمقاومة والتي هي الاولى به،يحفظ ويصون تاريخ مدينة وادي زم ومناطقها،ومتى نرى ثورة تنموية تنهض بمدينة الفوسفاط والثروات وادي زم على جميع المستويات التي مازالت غارقة في التهميش والاقصاء وخارج التغطية من برنامج التنمية البشرية التي تشهده وتستفيد منه فقط المدن والمناطق الأخرى من المملكة،ومتى يستطيع الاعلام الرسمي أن يعترف بثورة وادي زم 20 غشت 1955 ،فمتى ادن ترفع مدينة وادي زم من اللائحة السوداء للمهمشين!؟
مقدمة:
عرفت الحركة الوطنية في المغرب كفاحا ذا أبعاد متعددة، فلقد استطاع رجالات هذه الحركة أن يظهروا نضالا بطرق مختلفة في كل أنحاء البلاد مكنت المغرب من الحصول على الإستقلال .
ومن ضمن الانتفاضات التي شهدها المغرب انتفاضة وادي زم ضد الإحتلال الفرنسي في 20 غشت 1955.
وكان لهذه الانتفاضة أثر كبير على الصعيد الوطني فبعدما توالت إملاءات الإقامة العامة على محمد بن يوسف حول التنازل على القضية الوطنية والتي كانت دائما تقابل بالرفض، عملت إدارة الحماية على نفيه في 20 غشت 1953. هذا الإجراء واكبه نمو الوعي الوطني في الدفاع عن البلاد فاستطاع الوطنيون بوادي زم أن يقوموا بتأسيس عدة منظمات وخلايا سرية ضربت عمق الوجود الفرنسي في المنطقة في الذكرى الثانية لنفي محمد الخامس.
وقبل الدخول في صلب الموضوع بشكل مفصل فلا بد من إعطاء نبذة تاريخية عن هذه المدينة :
-الموقع: تقع مدينة وادي زم شرق الدار البيضاء على بعد 140 كلم وجنوب الرباط حوالي 172 كلم.
-أصل التسمية: سميت بوادي زم نسبة إلى الوادي الذي كان يمر شرقها وكلمة "إزم" كلمة بربرية تعني الأسد.
وتشير بعض المصادر إلى أن هذه المنطقة كانت تنتشر بها الأسود ومن هنا يأتي اسم مدينة وادي زم.
وتعد المدينة حديثة النشأة أسست في بداية دخول الحماية الفرنسية التي أنشئت بها حامية عسكرية سنة 1912 نظرا لموقعها الاستراتيجي القريب من جبال الأطلس المتوسط .
كانت مدينة وادي زم تعرف في عهد الاحتلال بباريس الصغيرة ((petite paris فكانت وجهة مفضلة للعديد من الأوربيين وخصوصا هواة الصيد .
وقد اعتمدنا في انجاز هذا البحث على بعض الصحف الوطنية (جريدتي الأمة والسعادة المغربيتين) وكذا
صحف الدولية (لوموند الفرنسية ) . هذه الصحف غطت الأحداث بشكل مفصل في منتصف الخمسينات.
من القرن الماضي . إضافة إلى اعتمادنا على الرواية الشفوية لعدد من المقاومين .
تناولنا هذا الموضوع في ثلاث محاور رئيسية :
- المحور الأول: أسباب العمل المسلح بوادي زم في 20 غشت 1955.
- المحور الثانية: مراحل الانتفاضة بوادي زم في 20 غشت 1955 من خلال الجرائد والرواية الشفوية.
- المحور الثالث :الرد العسكري الفرنسي على انتفاضة وادي زم من خلال الجرائد والرواية الشفوية.
الموضوع
مقدمة.
المحور الأول: دوافع العمل المسلح بوادي زم في 20 غشت 1955 من خلال الرواية الشفوية.
1- سياسة الإقامة الفرنسية.
2- نفي محمد الخامس.
المحور الثاني: مراحل الانتفاضة بوادي زم في 20 غشت 1955 من خلال مقالات الجرائد والرواية الشفوية.
1- الانتفاضة من خلال الصحف.
2- الانتفاضة من خلال الرواية الشفوية.
3- التعليق.
المحور الثالث: الرد العسكري الفرنسي على انتفاضه وادي زم في 20 غشت 1955 من خلال الجرائد والمقابلات.
1- الرد العسكري الفرنسي من خلال الصحف.
2- الرد العسكري من خلال الرواية الشفوية.
3- التعليق
خاتمة.
الملحق.
المحور الأول: دوافع العمل المسلح بوادي زم في 20 غشت 1955 من خلال الرواية الشفوية.
1- سياسة الإقامة العامة بالمغرب:
تم تعيين عدد من المقيمين العامين بالمغرب وقد اختلفت سياسة هؤلاء فاتسمت بالشدة في بعض الأحيان وبالليونة في أحيان أخرى . فالنسبة للمقيم العام اريك لابون .اتسمت سياسته بدعم الإصلاحات الإدارية . وقام بقبول أراء عديدة للوطنيين في ما يخص مطالبهم وكذا السماح لعدد منهم بالعودة إلى التراب الوطني . إضافة إلى السماح بإنشاء المدارس والصحف والمجلات… إلا أن هذا المقيم العام لم يستمر في حكم المغرب مدة طويلة حتى تنجح مطالب الوطنيين. فقد تم تعيين شخصية متصلبة على رأس الإقامة العامة و هو الجينيرال جوان الذي عرف بمواقفه المتعنتة وشكلت فترة تعيينه مرحلة من الطغيان العسكري . حيث أصدر قوانين تثبت امتيازات الأوساط الإستعمارية وتحيي السياسة الاقتصادية التي نهجتها أجهزة نظام الحماية منذ البداية وهي سياسة القواد الكبار . كما شنت حملة لتطهير الإدارة من المغاربة الذين أبدو تعاطفا مع الملك وتطلعات الوطنين المتمثلة في استقلال البلاد. فقد المقيم العام جوان سياسة قاسية ومارس ضغوطا على محمد الخامس لحمله على التنازل عن العرش. وفي 20 غشت 1953 نفذ المؤامرة التي دبرها مع الكلاوي لتنصيب محمد بن عرفة ملكا صوريا على البلاد ونفي محمد الخامس.
[1].
يعتبر هذا الحدث حدثا شنيعا على المغاربة و زعماء الحركة الوطنية الشيء الذي كان له الأثر السلبي على السياسة الفرنسية و مواطنيها بالمغرب، بحيث اتخذت خطورة هذا الحدث أبعادا متعددة ، فمحمد الخامس يعتبر الملك الشرعي للبلاد الذي دافع عن استقلال البلاد و قابل قرارات الإدارة الفرنسية التي لم تكن تخدم مصالح البلاد بالرفض، وقد عمدت فرنسا إلى تنفيذ المؤامرة فقامت بمحاصرة القصر الملكي في الرباط وعزل محمد الخامس مع أسرته ثم نفيه في 20 غشت 1953 إلى جزيرة كورسيكا ومن بعدها إلى جزيرة مدغشقر .
هذا العمل الشنيع أثار موجة من السخط العارم ضد فرنسا ، ومن أهم المناطق المنتفضة هضاب ورديغة، فشكل الوعي الوطني مبدءا أساسيا في التعامل مع المعطيات الجديدة، فاستطاعت عدد من الجموع أن تؤسس منظمات وخلايا السرية تجسد دورها النضالي ا في 20 غشت 1955 ، فانطلقت العمليات المسلحة لهذه الخلايا في الهجوم على المصالح الفرنسية والتنكيل بأهاليها، مما أحدث فزعا في صفوف المعمرين ودفعت بعلاقات المغرب وفرنسا في اتجاه آخر
[2] .
المحور الثاني: مراحل الانتفاضة بوادي زم في 20 غشت 1955 من خلال مقالات الجرائد والرواية الشفوية.
1- الانتفاضة من خلال مقالات الصحف:
قامت عدة جرائد وطنية ودولية بتغطية شاملة لمجريات الأحداث في وادي زم، وتعد هذه الأخيرة شواهد ميدانية في التعريف بأحداث تاريخية معينة ،وسنعتمد على البعض منها للتعريف بمراحل هذه الانتفاضة . إذا فماهي المراحل التي طبعتها .
ورد في جريدة الأمة مقال بعنوان "حقائق دقيقة عن مجزرة واد زم" ففي يوم السبت 20 غشت 1955. توجهت على الساعة الثامنة صباحا جماهير كبيرة من قبيلة السماعلة وبني خيران إلى وادي زم مابين راجلين وفرسان نساء ورجالا أطفالا وشيوخا ورعاة ، وذلك قصد الإعراب لرجا ل السلطات المحلية عن ولاء هاتين القبيلتين بمختلف طبقاتها لملك المغرب الشرعي المبعد عن عرشه سيدي محمد الخامس ، بواسطة مظاهرة سلمية بمناسبة الذكرى الثانية لإبعاده وهاتين القبيلتين تبعدان عن واد زم حوالي 30 كلم .
ففي طريق الرباط بلغت هذه الجماهير مابين30 و40 ضيعة أروبية التي تبعد عن واد زم بكيلومترين وأخذت تهتف بحياة محمد الخامس، فتحصن عدد من المعمرين بهذه الضيعات وبدؤوا في إطلاق النار على المتظاهرين ، فبلغت الحصيلة 15 شهيدا فتوجه رفاق هؤلاء إلى مكان المعمرين المعتدين وأضرموا النار في هذه الضيعات فقتلوا من فيها من المعمرين، وبلغت حصيلة القتلى من الجانب المغربي حوالي 337 شهيد أما من الجانب الفرنسي فبلغ 37 قتيلا، فقد قتل عدد كبير من الأطفال والنساء في هذه الأحداث الأليمة، لكن المغاربة لم يكن في نيتهم قتل أطفال المعمرين .
بعد هذه الحادثة انقسم المتظاهرون إلى شطرين قسم توجه إلى واد زم والقسم الآخر حمل القتلى وتوجه بهم إلى مسقط رأسهم قصد دفنهم
[3] .
وفي هذا الموضوع جاء في جريدة السعادة بعنوان "حوادث ومصائب يؤسف لها تدمي الأرض المغربية" ففي رأي هذه الجريدة أن يوم 20 غشت اتسم بحوادث شديدة الهول في وادي زم فبدء المتظاهرون في مهاجمة الحي الأوروبي على الساعة التاسعة صباحا فقد تم قتل عدد من المعمرين ونهبت المنازل وأضرمت النيران في عدد من المحلات.
وبعد إشاعة الخبر في المناطق المجاورة نزل الآلاف من المتظاهرين من المداشر إلى واد زم، فهاجموا المارة وقطعوا الأخشاب التلغرافية ووضعوها كحواجز في الطرقات ، كما هاجموا المستشفى فقتلوا طبيبه وأضرموا النار في القتلى الموجودين فيه. كما وقعت اشتباكات قتل فيها المراقب المدني الفرنسي كرايول وعدد من عناصر الجيش الفرنسي، فاستمرت عمليات التقتيل والإحراق حتى الخامسة مساءا ، إلا أن بعد ذلك وصلت نجدات عسكرية فانجلى المتظاهرون من المدينة الأوروبية، وتوجهوا إلى الغابة المجاورة. فصدر بيان رسمي يعلن أن مذابح وادي زم أسفرت عن 50 قتيلا و30 جريح من الأوروبيين، أما القتلى من المتظاهرين فإنه كان مرتفع.
وفي الجريدة نفسها جاء تحت عنوان "حوادث خطيرة بايت عمار" لقد عرفت هذه القرية المنجمية حوادث أليمة فقد هاجم أهاليها المعمرين بهذه المراكز وقتلوا 12 من الأوروبيين
[4].
وفي إطار الموضوع نفسه جاء في جريدة لوموند الفرنسية تحت عنوان "القساوة في وادي زم" ففي يوم السبت 20 غشت 1955 على الساعة الثامنة صباحا بدأت عدة مظاهرات في أماكن كثيرة، حيث وقعت بعض الحوادث الخطيرة في هذه المدينة الصغيرة التي يعيش فيها 800 أوروبي مقابل 12000 مغربي ، فكانت عمليات المتظاهرين وحشية وهمجية ، فتم استعمال أسلحة عديدة. فقبيلة أولاد عيسى توجهت إلى وادي زم بحوالي 2500 مقاتل وارتكبت أعمال جد عنيفة، فالمستشفى تم اكتساحه بالكامل وتم قتل طبيبه بطريقة وحشية، كما تم قتل المرضى الأجانب في أسرّتهم ، وأصبحت حالة المدينة الأوروبية رهيبة أكثر مما يتخيله العقل ، فالحي الأوروبي اشتعلت فيه النيران ، وجثث الأطفال مرمية في الشوارع أما النساء فقد قتلوا بأبشع الطرق، فأصبح من المستحيل التفريق هويات الجثث، فعلى سبيل المثال تم حرق دكان السيد فواني وذبحه في شارع مولاي يوسف وحرق أبنائه، عمليات وحشية رهيبة ففي طريق الدار البيضاء تم العثور على فرنسيات مجثوتتي البطون ، إضافة إلى عدة أجهزة جسمية مقطوعة.
كما جاء في هذه الجريدة تحت عنوان "مذبحة مستشفى وادي زم" حسب مراسل جريدة ماروك بريس ، فالمستشفى شهد مسرحية من التقتيل ، فهاجم المتظاهرون طبيبه وانهالوا عليه بالضرب حتى الموت، كما تم تكسير زجاج المستشفى و قتل مرضاه بالشواقير. فأصبح كل أجنبي مهدد بالموت في هذه المدينة ، فانعدام الأمن وحالة الغليان الشعبي هو الوضع السائد بالمدينة، وهناك مناطق أخرى كخريبكة و أبي الجعد.
فحصيلة القتلى الأوروبيين حسب بيان الإقامة العامة الفرنسية بالمغرب فقد وصل إلى 67 قتيلا، حيث شملت هذه اللائحة كذالك قتلى مناجم أيت عمار، كما أنه لازال بعض المفقودين الأجانب من ضمن الضحايا<5>
2- انتفاضة 20 غشت 1955 بوادي زم حسب الرواية الشفوية:
* رواية المقاوم الحاج مبارك لعريبي:
ينتمي هذا المقاوم إلى منظمة اليد السوداء، التي كانت تتوفر على تنظيم مضبوط، نلخص ما جاء في هذه المقابلة ، فمع اقتراب الذكرى الثانية لنفي محمد الخامس بدت حالة الترقب في صفوف الناس وكأن عملا وشيكا سيحدث عما قريب، فتمت اجتماعات سرية في مشيخة الروامش في منزل هذا المقاوم يوم 17 و18 و19 غشت 1955 ، وهي اجتماعات تحضيرية للقيام بأعمال تخريبية ضد المصالح الفرنسية، فتمت كتابة المناشير التحريضية وتفريق الرصاص ذو الحبة الواحدة الخاص بمواسم الفنطازيا، كما تم تفريق رصاص بندقيات الصيد، وكان يتم شراء الرصاص باسم المواسم.ففي يوم 20 غشت توجهت جماهير غفيرة من قبيلة السماعلة إلى وادي زم ، حاملة معها أسلحة من بندقيات وشواقير وسكاكين وفؤوس وعصي ، حيث التقت كل مشايخ السماعلة بممر السكة الحديدية، وفي هذا المكان تم قتل المراقب الفرنسي كرايول، الذي عارض قي البداية توجه المتظاهرين إلى وادي زم، وردد العبارة التالية بأن محمد الخامس سيرد إليكم،لكن المتظاهرين قتلوه بطريقة وحشية .
وجهت هذه الحشود إلى وادي زم وافترق المتظاهرون بين الأزقة والشوارع، فبدأت عملية التقتيل في حق المعمرين بعدة وسائل، كما أحرقت محطات البنزين وتمت مهاجمة عدة محلات تجارية وبعض الشركات، وبعد الثانية عشر بعد الزوال أصبحت الجثث مرمية في الأزقة والشوارع بحيث لا يتخيل العقل ذلك. و قد انحصر دور النساء قي القيام بالزغاريد وحمل صور محمد بن يوسف إلى جانب تقديم الدعم للرجال، كما تمت مهاجمة المستشفى الرئيسي للمدينة وقتل طبيبه ومرضاه، وكانت حصيلة القتلى من النساء المعمرات أكثر من الرجال
وفي الثانية زوالا بدأت عمليات إنزال فرق المضلين الفرنسيين في واد زم، وبدأت الطائرات تحلق في السماء بدون إطلاق الرصاص على المتظاهرين ،فبدأ الثوار يفرون من المدينة في اتجاه غابة السماعلة، فيقول صاحب الرواية إن حالة واد زم أصبحت كمجزرة كئيبة لا تتصور في الأذهان
رواية الحاج محمد الساحلي:
هذا المقاوم ينتمي إلى منظمة اليد السوداء، كان بتحدث إلى رفاقه بأن حربا قتالية ستكون ضد فرنسا في حالة عدم عودة محمد بن يوسف إلى المغرب، وجاء في هذه الرواية أن أغلبية ساكنة السماعلة توجهت إلى واد زم يوم 20 غشت 1955، فتم خوض حرب ضروس ضد فرنسا، فالأسلحة التي كانت في ملك هذا المقاوم آلة حادة (مقدة)،هاجم بها معمرتين فأرداهما قتيلتين وهما السيدتين مدام فواني ومدام ديحات ،وكانت طريقة قتلهما عن طريق الضرب في الرأس ، كما تم الاستيلاء على مسدس في ملكية أحد المعمرين، وفي نفس الأحداث في هذه الرواية لهذا المقاوم بأن صديقه المسمى الشكدالي قد قتل معمرتين ببندقية صيد، وبعد الثانية زوالا لاذوا بالفرار في اتجاه غابة السماعلة، فخاض المتظاهرون عمليات بطولية ضد منشآت فرنسية من إحراق وتدمير، فكانت الجثث في ذك اليوم لا تحصى ولا تعد، فحصيلة المعمرين قبل الثانية عشر زوالا كانت أكثر من المغاربة، لكن بعد تدخل الجيش الفرنسي أصبح القتلى المغاربة في ارتفاع مستمر. وفي أزقة وادي زم تمت ملاحظة الأشلاء متناثرة والجثث معفنة، كما أن الأطفال قتلوا في هذه الانتفاضة إلى جانب أمهاتهم .
* زهرة الرياكي:
نستشف من هذه الرواية دور المرأة في الانتفاضة ، حيث استطاعت أن تجسد دورها البطولي ومن هنا تعالت زغاريد وهتافات النساء بحياة محمد الخامس في الأزقة والشوارع فالساعة التاسعة صباحا شهدت عمليات عنيفة، فقام الثوار بعملية إحراق محطات البنزين ومهاجمة النساء المعمرات في منازلهن، فتم قتلهن بأنواع مختلفة من الأسلحة، سواطير، بنادق، سكاكين، عصي، حجارة، فأصبحت الجدران والأزقة ملطخة بالدماء، وكثرت الجثث ولاسيما للأطفال، فالمنظر كان كئيب جدا فالموتى لا تحصى ولا تعد من كلا الطرفين ، أما الحادث الأكثر خطورة التي عرفته وادي زم في هذا اليوم التاريخي هو حادث المستشفى، فلقد تمت مهاجمته من قبل المتظاهرين ثم قتل طبيبه العام وتم التنكيل بجثته وهو ميت، كما تم قتل 14 مريضا كانوا موجودين بالمستشفى
[7] .
* بوعزة العناوي رئيس خلية أسد التحرير:
تعتبر هذه الرواية ذات أهمية بالغة نظرا لكون صاحبها كان مسؤولا عن هذه الخلية، ونلخص ماجاء فيها فقبل 20 غشت بأربعة أيام تم التخطيط لعمليات التخريب ضد المصالح الفرنسية فأصبح الكل مجهز للهبوط إلى واد زم، ففي 20 غشت بدأت جماهير غفيرة في التوجه من السماعلة إلى وادي زم، وعند الاقتراب منها بدأت مجموعات في مهاجمة عدة ضيعات للمعمرين فتم قتل بعض مالكيها، فقد تمكنت مجموعة تابعة لهذه الخلية من قطع عدة أسلاك كهربائية وهاتفية، وكذا إشعال النيران في عدة شركات للأوروبيين، كما تمت مداهمة بعض منازل المعمرين المعروفين بقساوتهم، فتم التنكيل بأجسامهم وحرقت بعض زوجاتهم مع أطفالهم، كما تمت مهاجمة مقر الدائرة ومقر السجن، وبعد أن استعصى على المتظاهرين السيطرة على ذلك توجهت حشود إلى المستشفى الرئيسي للمدينة، حيث تم اقتحامه بالكامل وقتل كل الفرنسيين فيه .
وفي الثانية بعد الزوال بدا الثوار في مغادرة وادي زم في اتجاه الغابات المجاورة بين وادي زم ومولاي بوعزة، حيت مكث الثوار في جبالها عدة أسابيع بعد الانتفاضة بدون مأوى
[8].
* رواية عدد من المقاومين: الناجي محمد، رضا صالح، شقوفي محمد، عباس فخر الدين، الكوس محمد.
قبل الانتفاضة كانت اجتماعات سرية في مختلف مشايخ السماعلة ،وتلاقت هذه الأخيرة كلها قي ممر السكة الحديدية على الساعة الثامنة صباحا ، فوقعت اشتباكات في البداية بين الثوار والمراقب المدني الفرنسي كرايول ،تمكن من خلالها الثوار من السيطرة على موكبه وإخراجه من سيارته بالقوة تم قتله والتنكيل بجثته، بعد ذلك استكمل المتظاهرون مهمتهم في اتجاه وادي زم ، فتم استهداف المنشات الإدارية والاقتصادية التي تشكل رمز قوة المستعمر، هناك عمليات إحراق متاجر لبيع الخمور والسجائر التي كانت تديرها معمرة يلقبها السكان بالعريجة فتم قتلها، كما تم قتل مدير مكتب السكة الحديدية، كما ازداد المواطنون عزيمة وحماسا فتم حرق مؤسسة إنتاج الفحم والخشب وفتل صاحبها الذي أبدى مقاومة عنيفة في البداية، كما اتجه المقاومون إلى زنقة الصناعة فتم حرق منزل في ملكية وزارة التربية مع المطحنة الكبرى ليندة بكل محتوياتها من حبوب وشاحنات فقاوم صاحبها بشراسة فاسقط العديد من الشهداء، إلا أن المقاومين قاموا بإضرام النار في أكياس الحبوب فاندلعت النيران واضطر صاحبها إلى الاستسلام فقتل وتم التنكيل به، وبمحج 20 غشت أحرقت مخبزة كوردي وقتل بها أجنبي .
ومع تواتر الأحداث احرق مصنع لسيارات في ملكية احد البرتغاليين وقتل صاحبه ،وبزنقة تونس تم تطويق منزل (مدام توكو ) التي كانت تأوي عدد من المسلحين الفرنسيين فقتلت ومن معها بعدما أصابوا عددا من المقاومين، كما أحرق منزل السيد تليك الموظف بالبلدية بزنقة وادي كرو حاليا، وبنفس المكان احرق مصنع للفحم لصاحبه (جون كريكي ) .
إضافة إلى هذا أحرق مصنع للخمور ومتاجر التبغ بزنقة مراكش وعدد من المحلات كمكتب مراقبة السيارات، واحرق محل لشركة رونو، وفي شارع محمد الخامس أحرق محل للخمور ومحل ميكانيكي إلى جانب عدد كبير من المنازل، وخربت عدد كبير من ممتلكات الفرنسيين بوادي زم .
واصل المقاومون عملياتهم فأحرق معمل للرخام لصاحبه هو بلجيكي الجنسية قتل قرب مدرسة مولاي الحسن، وبالقرب من هذا المحل وضعت الأعمدة الكهربائية والحجارة كحواجز في الطرقات تم احرق متجر (ميمون) لبيع الخمور، وتمت تصفية سبعة أجانب أصابوا عدد من المقاومين بجروح متفاوتة الخطورة .
أما بزنقة الجزائر والقاضي الشتقيظي تلقى المقاومون أخبارا عن وجود عدد من الجرحى بالمستشفى، فاتجهوا إليه من أجل المعاينة، إلا أن مقتصد المستشفى طلق النار عليهم مخلفا عدد من القتلى والجرحى وبتوالي سقوط الضحايا جن جنون الجميع، فتمت مهاجمة المستشفى دفعة واحدة وتصفية كل ما بداخله من الأوروبيين. لم يقف الأمر عند هذا الحد بل فتل كل من له صلة بالاستعمار، فقدرت سلطات الإقامة العامة عدد المؤسسات المدمرة بحوالي خمسة وسبعون وحدة، بالإضافة إلى الشاحنات والسيارات. وبالبادية كانت المقاومة عنيفة فتمت مهاجمة كل من له علاقة بالاستعمار، فأحرق مقر المياه والغابات بأولاد فنان كما تمت تصفية عدد من المعمرين بالطريق الرابطة بين واد زم و مولاي بوعز
[9] .
3- التعليق:
نستنتج من خلال هذه المعطيات أن الصحف والرواية الشفوية، غطت هذه الأحداث بدرجة لا يستهان بها، فنجد معطبات متقاربة جدا إلا إن هناك اختلاف في جوانب قليلة. إن المقابلات والصحف أجمعت على أن هذه الانتفاضة كان لها وقع كبير على مسار الأحداث في 20 غشت بوادي زم 1955، لقد استطاع الثوار السيطرة على المدينة، بعدما تم التهيئ لهذه الانتفاضة من قبل الخلايا والمنظمات السرية، فاتجهت حشود من الفلاحين والعمال والشيوخ والأطفال للمشاركة في الانتفاضة بوادي زم، فتفرقت الحشود في كل أرجاء هذه المدينة الأوروبية. استعمل المقاومون أنواع كثيرة من الأسلحة من بنادق للصيد وخناجر وسكاكين وآلات حادة، فتم الاعتماد على عمليات إضرام النار في المحلات التجارية والشركات التي يملكها المعمرون، وما يلفت الأنظار هو أن هذه الأسلحة المستعملة خلفت العديد من القتلى والجرحى، فبعض المعمرين تم قتلهم بطريقة بشعة وهذا ما زكته المقابلات الشفوية والصحف لكن الجريدة الفرنسية لموند بالغت في وصف هذه الأحداث، ففي مقالاتها في إطار هذا الموضوع نعتت هذه المقاومة بالوحشية وأسندت صفات قبيحة للمقاومين كالوحوش والهمجيين والحيوان، ولتزكية هذا الطرح ركزت هذه الجريدة على قطع رؤوس الأطفال والنساء، كما تناولت جانبا مهما من هذه الأحداث يتعلق الأمر بحادث المستشفى، الذي قتل طبيبه وجميع المرضى الموجودين فيه ،فبالغت في طريقة قتل المرضى من ضرب بالقساوسة وعنف همجي، وهذا ما ذكرته الرواية الشفوية التي أعلنت أن هذه المقاومة كانت جد عنيفة فالمرضى تم قتلهم بطريقة لا تتصور.الجرائد الوطنية والمقابلات الشفوية أكدت على أن الوعي الوطني في ذاك الوقت قد بلغ بدرجة كبيرة، إذ أصبح كل مواطن يؤمن بان المقاومة هي الحل الأنسب لا فيما يتعلق بعودة محمد الخامس من المنفى إلى عرشه ولكن لتصفية الاستعمار البائد وأعوانه .
في الحقيقة هناك إشارات دالة من قبل الجرائد والروايات على أن هؤلاء حملوا شعارات الإسلام وصور محمد بن يوسف، مطالبين بحريتهم من والإنعتاق من السيطرة الاستعمارية و الدفاع عن مؤسسات الوطن .
هذه المواجهات العنيفة بين الجيش الفرنسي والمتظاهرين شكلت أكثر خطورة وصرامة لإثارة انتباه الرأي العام سواء على الصعيد الوطني أو الدولي ،ويتجلى ذلك في الاهتمام البالغ لوسائل الإعلام الوطنية والدولية من جرائد وإذاعات…
نجد هناك بعض التناقض بين الجرائد والرواية الشفوية فيما يخص عدد القتلى من الجانبين، فجريدة السعادة المغربية اعتبرت في مقالاتها أن عدد القتلى بواد زم بلغ المئات قتيلا أوربيا وسط تضليل اعلامي،أما جريدة لومند الفرنسية في مقال تحت عنوان "الضحايا" قد رفعت عدد القتلى إلى المئات قتيلا أوربيا، أما عن الجانب المغربي تحدثت جريدة الأمة عن عدد القتلى الذي بلغ 1500 شهيد وهذا ما تؤكده العبارة التالية "مدينة ال1500 شهيد".
إذن حققت هذه الانتفاضة رغم ما ألحق بها من تشويه نجاحا كبيرا وكشفت عن حقائق الإستعمار، وهكذا كانت الانتفاضة من أهم العوامل التي كان لها دور كبير في الدفع بالقضية المغربية نحو الحل النهائي وهو الإستقلال.
المحور الثالث: الرد العسكري الفرنسي على انتفاضه وادي زم في 20 غشت 1955 من خلال الجرائد والمقابلات.
1- الرد العسكري الفرنسي على انتفاضة واد زم من خلال الصحف:
نتيجة لهذه المقاومة العنيفة في واد زم وما أسفرت عنه من خسائر لكلا الطرفين كانت ردود سلطات الإحتلال قاسية نستشفها من خلال الجرائد، فقد تحدثت جريدة الأمة عن هذا الموضوع بإسهاب تحت عنوان "واد زم اندثرت"، شهدت عدد من الأحياء بعد الحملة العسكرية التي قام بها الجيش الفرنسي اندثارا كبيرا لم يبقى منها إلا الأطلال حيث أقيمت معسكرات الاعتقال بمقر القيادة العامة الفرنسية فتم اعتقال أكتر من 6000 من رجال القبائل والناجين من سكان البادية فأرسل العديد منهم إلى الدار البيضاء قصد تقديمهم للمحاكمة العسكرية.
شهدت بعض الدواوير المجاورة لواد زم عمليات عسكرية عنيفة وحشية ضد القبائل بقيادة الكولونيل نوناري فأرسل العديد من المقبوض عليهم إلى معسكرات الاعتقال، كما قام الجيش الفرنسي بعمليات الريستاج ضد أحد الدواوير التي اتهم أصحابها بسرقة أسلحة فرنسية و قتل عدد من الضباط من بينهم القبطان بورش فقامت طائرات من نوع فامبير بعمليات وحشية بواسطة إطلاق القنابل على هذه الدواوير فأتت على معظم سكانها، وتحدثت صحيفة Maroc-presse عن هذه العمليات العنيفة فاستطاع الجيش الفرنسي استرداد أسلحته المتمثلة في 50 مسدسا وبندقية ورشاشة، كما قامت القيادة العسكرية الفرنسية بفرض حالة الطوارئ في المنطقة الممتدة بين واد زم و أبي الجعد و خريبكة واعتبرتها منطقة محرمة يحضر دخولها على غير العسكريين كما فرضت حصارا في الطرق العامة ولا يسمح بالمرور فيها إلا لقوافل سيارات الجيش الفرنسي التي تقوم بالتعزيزات لاستكمال عملياتها الوحشية.أما المعمرون المدنيون فساهموا إلى جانب الجيش في عمليات الإبادة وتعتبر قرية مولاي عبد الله من القرى التي تم تدميرها بالكامل
[10].
وفي إطار هذا الموضوع ذكرت جريدة Le monde الفرنسية تحت عنوان "القبائل اللاجئة في واد زم تتراجع أمام القوات الفرنسية" قامت الإقامة العامة بتفتيش عدة أسر في القبائل بحثا عن منفذي العمليات كما قامت بعزل عدة مناطق وفرض عمليات عدم الالتحاق من منطقة إلى أخرى على الأهالي كما كانت تراقب تحركات بعض المجموعات بين واد زم و خنيفرة، أما بالنسبة لقبائل الشمال الشرقي لواد زم فلم تشهد عمليات عنيفة ضد الأهالي وكانت القوات الفرنسية تتحرك باستمرار لمراقبة المناطق المسيطر عليها، و أثناء التفتيش كان اغلب رجال قبائل السماعلة يفرون على خيولهم، و أثناء هذه العملية تم استرجاع عدة أسلحة، و أغلب العائلات التي تم تفتيشها كانت تتوفر على مقاتلين أو أشخاص ينتمون إلى المياه والغابات، كانت القيادة العسكرية وضعت افتراضات مفادها أن قبائل السماعلة، قاموا بالفرار في اتجاه قبائل تادلا التي بصعب اختراقها، لكن في 23 غشت كشفت القيادة عن مصادر تفيد بأن مقاتلي السماعلة يتحصنون بالقرب من مولاي بوعزة وقي اليوم الجمعة 26غشت تم الإعلان أن القبائل الني شاركت في نهب وادي زم قامت بتقديم الطاعة والولاء للسلطات بزعامة الجنيرال فرانكي رئيس منطقة الدار البيضاء كما جاء عدة قواد وزعما ء محليين لطلب العفو عن مجموعة من الأضناء تم توقيفهم قي هذه الأحداث الذين تم توقيفهم .
كما ذكرت هذه الجريدة في نفس الموضوع تحت عنوان "تحقيق في الفوضى بخنيفرة ووادي زم "تحدثت مصادر رسمية عن هذه الحركات التي قامت بالأعمال التخريبية ، حيت خلصت النتائج إلى أن هذه المجموعات تنتمي إلى وادي زم و خنيفرة ، فقد شاركوا في عمليات النهب والتخريب و أتوا على المدينة من كل أطرافها، كما وصل إلى خريبكة عناصر من الدر البيضاء شاركوا في هذه المذبحة والمظاهرات، وانطلاقا من مراكز قيادة العمليات الفرنسية تم تحقيق جنائي بشان أحداث في واد زم، إذ تم الاستماع إلى 78 مغربي و45 تم تحويلهم إلى الدار البيضاء
[11] .
وفي نفس الجريدة جاء تحت عنوان "عمليات مهمة ستبدأ في وادي زم و خنيفرة" فهذه المدينة شهدت عمليات مراقبة جد مشددة فقد عرفت مجموعة من المصادمات قتل فيها عدد من الضباط الفرنسيين، لكن هناك أطراف أخرى شهدت عمليات العرفان بالجميل ولم تسجل عمليات خطيرة على قواتنا .
وشهدت المناطق المدن المجاورة لوادي زم حسب بيان الإقامة العامة عن عمليات عسكرية كبرى بمساعدة بعض القياد المحليين على سبيل المثال قائد أولاد زيان، فشهدت هذه المناطق عمليات تمشيط بحثا عن مسؤولي هذه الأحداث، ففي واد زم تم تشكيل مجوعات تقوم بعملية البحث في مراكز وادي زم فتم تطبيق عمليات مراقبة جد مشددة ، فتم إلقاء القبض على عدة مسؤولين عن أحداث الماضي، كما تم استرجاع عدد من الأسلحة، فقد تحدثت الصحف الباريسية عن عزم الإقامة العامة القيام بمذبحة بوادي زم، لكن لم يتم ذلك بسبب موت الجنيرال الفرنسي دوقال الذي تحطمت طائرته بالقرب من تادلا أثناء إطلاق النار عليها من قبل مقاومين، فألغيت هذه العملية بأمر من القائد الجديد ميكل [12].
2- الرد العسكري الفرنسي من خلال الرواية الشفوية:
* رواية الحاج مبارك لعريبي والحاج محمد الساحلي:
نستنتج من هذه الرواية أن الرد العسكري كان عنيفا، فقد اتخذ طرقا متعددة، فبدأ هذا الرد حوالي الساعة الثانية بعد الزوال، عندما توصلت فرنسا بنجدات عسكرية، فبدأت الطائرات بإنزال المظليين من الطائرات، تزامنت مع الفترة التي بدأ فيها الثوار عملية الفرار في اتجاه المناطق الجبلية على طريق مولاي بوعزة، فقد لاحقتهم الطائرات تقوم بأخذ الصور لهؤلاء المقاومين
وفي إطار عمليات الرد ففي 23 غشت 1955 تسربت ثلاثة دبابات إلى مشيخة الروامش لتعقب الثوار فقتلوا في هذه المشيخة كل من المقاوم البوهالي بن القائد، حمو أوسعيد بن أحمد هذا المقاوم تم تكبيل رجليه وجره بدبابة فتناثرت أشلاءه ثم رمي في بئر، كما قتل محمد بن الربايب،إن كون هذه المنطقة (الروامش) تقع في منطقة شبه وعرة جغرافيا، فبعد خمسة أيام من هذه الانتفاضة تسربت إلى هذه المشيخة 260 دبابة وشاحنة ومصفحة إلى مشيخة الروامش فقاموا بحرق الخيام ومتاع الفلاحين، كما جمعوا ماشية هؤلاء في منطقة تسمى الكط، وتم تصديرها إلى الرباط في عدة شاحنات .
حسب هذه الرواية الشفوية لهذين المقاومين، في اليوم الموالي جاءت طائرة تحلق على علو منخفض وتقوم برمي المناشير كتب عليها بالحرف "غادركم بعض القاتلين وجروكم الى خطأ كبير وبلا شك من تعاقب هؤلاء المجرمين، وليست لكم مسؤولية في القتل أننا نقول لكم خذوا هذه المناشير وقدموها إلى الحاكم حتى تؤكدوا أنه لا صلة لكم بهذه الأعمال ولا تخافوا على رؤوسكم ، وتقبلوا بسلام "، توجه هؤلاء السكان إلى مقر الحاكم بحد أولاد فنان، فتم إلقاء القبض على هذه الحشود، فتم ملء الشاحنات بهؤلاء ومروا بهم الى منزل القائد ولد محب بوعزة، وبعد ذلك تم تفريق هؤلاء على السجون كسجن وادي زم ، وكذا سجن بو المهارز بمراكش، والباقي الآخر بقي في الاستنطاق بمنزل بوشعيب الكيحل فأغلب هؤلاء السجناء لم يفرج عنهم إلا بعد عودة محمد الخامس
[13] .
* رواية زهرة الرياكي وبوعزة العناوي:
جاءت هذه الرواية لتؤكد همجية الرد العسكري الفرنسي على المطالبين باستقلال المغرب وعودة ملكه الشرعي، فهذه الانتفاضة كان لها رد عسكري عنيف على الأهالي، بعد الزوال بدأت النجدات العسكرية تصل إلى واد زم وواكبتها عمليات عنيفة، فلم يفرق الجيش بين النساء والرجال وبين الاطفال والشيوخ، تمت عمليات الانتقام بطرق وحشية ومختلفة، فتم ملاحظة القتل العمد بصفة مباشرة والتعذيب في مخافر الشرطة بشكل علني، ومباشرة عمليات الاستنطاق لكل من يشتبه فيه، و الإعدام كان بطريقة همجية وبطرق مختلفة، فمثلا إعدام المقاوم عبد الرمى كان بطريقة لا تتصور، فقد تمت مطاردته بدوار الحوازم إلى أن ألقي عليه القبض فتم تكبيل يديه وأعدم أمام والده. وفي هذا الدوار تمت عملية مداهمة عسكرية للمنازل بحثا عن المقاومين. بعد انتفاضة 20 غشت كانت الطائرات تحلق باستمرار فوق سماء واد زم، و كان عدد من المقاومين قد فروا في عدة اتجاهات كسهول تادلا وقبائل زعير.
من هنا نستنتج أن عمليات الجيش الفرنسي كانت رهيبة وكادت درجة الانتقام أن تكون وحشية، ومن ضمن هذه العمليات البشعة الطريقة التي قتل بها الشهيد بن داود الغزواني الذي حاصرته الدبابات في منزله وتم إلقاء القبض عليه ونقله إلى مركز الاستنطاق، وبعد ثبوت أفعاله تم إرجاعه إلى منزله وأمام عائلته تم تحطيم البندقية على رأسه التي كانت في ملكه حتى انقسم رأسه إلى شطرين
[14].
* الرواية الشفوية "الناجي محمد ، رضا صالح ، شقوفي محمد ،عباس فخر الدين ،الكوس محمد":
نستنتج من هذه الرواية أن الإمدادات العسكرية الفرنسية لم تصل من الدا البيضاء إلا في وقت متأخر وكانت تتكون من فرق اللفيف والبحرية معززين بالمدافع والمصفحات والطائرات والمظليين والرشاشات، وفي الخامسة مساء بدأ الثوار في مغادرة المدينة متجهين نحو غابة السماعلة، و قام الجيش الفرنسي بتعقبهم وقتل ما يناهز حوالي 250 مقاوم، أما الجيش المرابط في المدينة فقد نصب المدافع فوق السطوح، وشكلت لجنة من الخونة المغاربة مهمتها التعرف على المشاركين في المظاهرة ، وكل من تعرفوا عليه يقودونه خارج المدينة ويرمونه بالرصاص، وهذا ما حصل مع المعطاوي البوجعدي ومن معه .
رغم هذا فقد حققت الانتفاضة اهذافا كبرى وخسائر بالمستعمر فقد قدرعدد القتلى الأوروبيين بحوالي 50 قتيلا حسب صحيفة "لافيجي ماروكان " أما مجلة "باري ماتش " تحدثث عن 77 قتيلا ،أما جريدة لوموند قدرت الخسائر المادية بحوالي 500 مليون فرنك، مما جعل آلة المستعمر تتحرك بسرعة من اجل تطويق الصراع والحد من انتشار الفوضى، فطوقت المدينة من كل الجهات و تم اقتحام المنازل دون التمييز بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ والرضع، وتم اقتناص المقاومين من فوق السطوح وطوقت الدبابات الشوارع وهدمت البيوت ودمرت الأزقة الضيقة فتمكنت الجيوش من السيطرة على المدينة كلها، وتحركوا نحو البادية بواسطة الدبابات وناقلات الجنود وفرق المشاة والمظليين فطوقت القبائل من كل جهة خاصة السماعلة وبني خيران، وانتشر الجنود حتى حدود قبائل زعير ثم زيان شمالا وبني زمور شرقا، فشيدت الخيام و نقط التفتيش في مشيخة الطرش والعشاشكة. فقدر عدد القتلى المغاربة مابين 200 و300 شهيد حسب ماجاء في جريدة ماروك بريس، أما حسب رواية بعض المقاومين ذكرت تقديرات القتلى في المدينة بحوالي 500 شهيد، كما ألحق المستعمر خسائر بالممتلكات واقترف المجازر في حق السكان وأعطيت الأوامر للشيوخ والقواد والمقدمين لجمع ما تبقى من رجال ونساء وأطفال وشيوخ وتم التوجه بهم إلى المنطقة المسماة ببئر العيان الذي عسكر فيه الجيش تلبية للقائد الجنرال دوفال والغاية من هذا التجمع تنفيذ إعدام جماعي في حق الساكنة إلا أن الأقدار الإلهية لعبت دورا في إنقاذهم أثناء سقوط الطائرة التي كانت تقل الجنرال دوفال قرب زاوية الشيخ فأرجئ تنفيذ الإعدام الجماعي وبقي الحصار تحت مراقبة الجنرال فرانكي، نصبت مقرات الاستنطاق والتعذيب من طرف الشرطة العسكرية فتمت ممارسة أبشع ممارسات التعديب خاصة بمركز الشرطة بزنقة الحنصالي، والمدرسة الإسرائيلية بشارع الشهداء، ومنزل بوشعيب الكيحل بزنقة سوق الحبوب، والسجن المدني في واد زم. دامت عملية الاستنطاق أياما وليالي قدرت بثلاثة أشهر ووجه بعدها المقاومون إلى المحكمة العسكرية ثم رحلوا إلى سجن غبيلة ثم سجن بو المهارز بمراكش فظلوا رهن الاعتقال إلى حين عودة محمد الخامس وحصول المغرب على الإستقلال فتم العفو عنهم
تعليق:
يظهر لنا من خلال هذه المعطيات أن عمليات الرد العسكري جاءت عقابا لأعمال الانتفاضة التي قامت بواد زم، فنجد هناك تشابها واختلافا بين مقالات الصحف والجرائد فجريدة الأمة جاءت بمعطيات تطبعها الواقعية حول خصوصيات ردود فعل المستعمر فقد ارتكب الجيش مجازر عنيفة في حق الأبرياء من اعتقال وتعسف واستنطاق ومحاكمة، وتمت ممارسة العنف بالدرجة الأولى على القبائل فواد زم التي هدمت وخربت خرابا وكأنها بقايا حطام الزلازل، هذا الطرح زكته الروايات الشفوية التي تبنت معطيات مفادها أن العمليات العسكرية كانت عنيفة ووحشية بكل المعايير، فعمليات الإعدام طبعتها الوحشية كما كان للخونة دورا في هذا التعديب وقد تم تفريق جل المقبوض عليهم على جل سجون المغرب فمورست عليهم شتى أنواع التنكيل، ومن هنا تكون المقارنة موضوعية بين معطيات جريدة الأمة و الرواية الشفوية، هذه الأخيرة التي تحدثت عن جوانب من عمليات القمع الوحشي للسلطات العسكرية ومن هنا نكتشف بأن هذه الأحداث غابت عنها كل مؤشرات حقوق الإنسان بما في ذلك الحق في الحياة، فكان هذا الرد شبيها بالرد العسكري الفرنسي على إحدى المظاهرات في الجزائر التي كانت تطالب بالاستقلال فقتل فيها حوالي 40 ألفا من المتظاهرين الجزائريين.
نسجل أن هناك محاولة إخفاء للحقيقة من لدن السلطات الفرنسية وجرائدها، فمقالات جريدة Le monde الفرنسية أغفلت في كتاباتها حول هذا الموضوع عدة حقائق وركزت على الجانب التنظيمي العسكري لهذه العمليات بحجة فقدان الأمن وظهور النهب والاستلاب بأزقة وشوارع واد زم في 20 غشت 1955، كما ركزت في حديث تغطيتها على مصطلحات الإجرام الترهيب والوحشية التي عبر عنها السكان في انتفاضتهم وتناست ما يقوم به الجيش الفرنسي ضد العزل الأبرياء الذين طبقت في حقهم المطرقة الحديدية، هذه الأحداث العسكرية ضد الوطنيين جاءت متزامنة مع الإدعاءات الفرنسية حول حقوق الإنسان في العيش والحق في تقرير المصير مع منتصف الخمسينيات من القرن الماضي وخصوصا أن عدة مستعمرات تابعة لها قد حققت الإستقلال كتونس وسوريا ولبنان…
ومن هنا نستنتج التقارب بين موضوعية الرواية الشفوية وجريدة الأمة من جهة حول الرد العسكري الفرنسي، و نسجل الخلاف في ما نشرته جريدة Le monde الفرنسية التي أغفلت عمدا عددا من الأحداث الأليمة.
خاتمة:
ماذا نستنتج من هذه المقاومة؟
إن المقاومة التي أبداها أبناء واد زم في هذه الظرفية هي مقاومة فرضت وجودها في الكتابات التاريخية المتعلقة بحركات التحرر في العالم، مع منتصف الخمسينيات جاءت هذه الانتفاضة لتتخلص من الإستعمار البائد وتضع حدا ولو جزئيا لأطروحات الإستعمار، وقد ساهمت بالدفع بمفاوضات المغرب في إيكس ليبان مع فرنسا حول الإستقلال. قدم أبناء وادي زم تضحيات جسام لكن المستعمر كانت ردوده قاسية تتنافى ومبادئ حق الإنسان في تقرير المصير الذي جاءت به عدة مواثيق لمنظمة هيئة الأمم المتحدة ومنظمة دول عدم الانحياز.
فالثورة التي عرفتها المنطقة كشفت عن حقائق كثيرة كان الإستعمار يريد طمسها فأرغمته على تغيير نظرته اتجاه القضية المغربية، وعلى العموم تصدى هؤلاء الوطنيون بكل شجاعة وروح قتالية أثارت استغراب العديد من الزعماء العسكريين، ولكامل الأسف لم تجد هذه الأحداث من يؤرخ لها بشكل يتلاءم مع حجم معطياتها وظرفية وقوعها وظلت هذه الأحداث تتناسل حولها الروايات الشفوية في المنطقة بدون أن تعطى لها الأهمية الكاملة، ولكن الغريب في هذا الأمر والأكثر غرابة أن هذه المدينة قدمت الغالي والنفيس من أجل أبناء المغرب وفي مقدمتهم الملك محمد الخامس وأسرته في العودة إلى العرش واستقلال البلاد، لكن لكامل الأسف لم تعطى لها أحقيتها في التنمية والازدهار حيث تركت عمدا من قبل المسؤولين مهمشة تهميشا مبالغا فيه فتم إغلاق جميع وحداتها الصناعية التي كانت تذر دخلا على أسرها، لقد تم إغلاق جميع وحداتها الإنتاجية (إيكوز، لاسيكون، فريتيما…)، وتم تشريد أكثر من 750 أسرة فأصبحت هذه المدينة ملاذا للفقر والتهميش والضياع بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأخيرا أصبح يطلق عليها أبشع الكلمات القبيحة في الأوساط الإعلامية والرسمية " مثلث الموت"، هذا الموت وجد فيه أهاليها حلا للهروب منها قصد تحقيق عيش كريم بالتوجه إلى أوربا بطرق غير شرعية مع العلم أن أبناء الشهداء لم تتحقق أحلامهم في بلدهم مما فرض عليهم تغيير الواقع فأصبح الموت عاديا في أوساط شبابها بحيث لا تنقطع أخبار الموتى جثتا مرمية بها في مياه البحر الأبيض المتوسط.
إن الخطاب الأخير للملك محمد السادس في 20 غشت 2005 بمناسبة الذكرى الخمسينية لثورة الملك والشعب اعتبر أنه يجب أن تكون ثورة أخرى للملك والشعب على الفقر والأمية والتهميش والإقصاء، فبعث ذلك الأمل في النفوس. هذه الثورة يجب أن تنطلق من هذه المنطقة كما انطلقت فيها سابقا في 20 غشت 1955 .
مقابلة شفوية مع المقاوم الحاج مبارك لعريبي أجريت بتاريخ 27 يناير 2006.-1
2- مقابلة شفوية مع المقاوم الحاج محمد الساحلي أجريت بتاريخ 15 فبراير 2006.
مقالات جريدة الأمة الصادرة تحت عدد 622 بتاريخ الجمعة 14 محرم 1375/2 شتنبر 1955. -3
4- مقالات جريدة السعادة الصادرة تحت العدد 9454 بتاريخ الاثنين 22 غشت 1955.
5- مقالات جريدة لوموند الفرنسية الصادرة بتاريخ 23 غشت 1955.
6- مقابلة شفوية أجريت مع المقاوم الحاج مبارك لعريبي بتاريخ 27 يناير 2006.
7- مقابلة شفوية أجريت مع المقاومة زهرة الرياكي بتاريخ 3 مارس 2006.
8- مقابلة شفوية أجريت مع رئيس منظمة أسد التحرير بوعزة العناوي بتاريخ 15 يناير 2006 .
9 - روايات شفوية مقتطفة من بحت لنيل الإجازة تحت عنوان "العمل المسلح بوادي زم وتادلة وأبي الجعد" للطالبة مجدولين تحت إشراف الأستاذ علال ركوك، جامعة القاضي عياض، بني ملال، ص55.56.57.
10- مقالات جريدة الأمة الصادرة تحت عدد 614 بتاريخ 24 غشت 1955.
11- مقالات جريدة لومند الفرنسية الصادرة بتاريخ 27 غشت 1955 .
12- مقالات جريدة لومند الفرنسية الصادرة بتاريخ 25 غشت 1955 .
13- مقابلتان شفويتان مع المقاومين الحاج مبارك لعريبي والحاج محمد الساحلي أجريتا بتاريخ 24 أبريل 2006.
14- مقابلتان شفويتان مع المقاومة زهرة الريا كي وبوعزة العناوي أجريتا بتاريخ 20 أبريل 2006 .
شكر خاص إلى الأخ عبد الحليم العريبي وصلاح الدين قنطار:الرباط
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج






































